موقع خاص بالشعر والأدب واللغة العربية
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولعزيزي الزائر إذا لم تسجل فتفضل بتدوين توقيعك في سجل الزوار

شاطر | 
 

 أبو نواس الشاعر الذي نظم التلبية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الشاعر

avatar

عدد الرسائل : 144
العمر : 51
الرسالة :


الرتبة
مشرف منتدى الشعر


تاريخ التسجيل : 27/11/2008

مُساهمةموضوع: أبو نواس الشاعر الذي نظم التلبية   الإثنين ديسمبر 22, 2008 6:25 am

بسم الله الرحمن الرحيم
لـم يسـبق أحد من الشعراء أبا نواس في نظم التلبية
ويالها من أبيات تنم عن تلقائية في التفاعل مع الحال. لم يلتفت اشاعر فيها إلى الصور الفنية والفنون البلاغية وإنما انطلق فيها يردد التلبية كما يرددها ملايين الحجاج ؛ لكن على طريقته الخاصة ، طريقة شاعر يقول السعر صاحيا و ثملا، نشيطا وكسلا، حزينا وفرحا. يتملكه هاجس الشعر فما ينطق إلا به أو منه.
فما حكاية أبي نواس شاعر الخمر والمجون ومجالس الغناء مع التالبية والحج؟ وهل حج أبو نواس؟ وهل كان ذلك قبل توبته أم بعدها؟
الحق أن ابا نواس تعلق قلبه بالمغنية (جنان) فكان يداوم على حضور مجالس غنائها بل ويطارحها الشعر ويعارضها، ومن ذلك أنه دخل على جنان فوجدها تبكي حيث ضربها سيدها (النطاق) بالسوط فقال على البديهة:
بـكـتْ جـنـانُ ودَمْـعُـهـا ... كاللؤلؤ ِ الـمُـرْفـَضِّ مـن خـَيْـطِـهْ
فأجابته على البديهة:
فـَلـَيْـتَ مَـنْ يَـضـْربُـهـا ظـالـمـًا ... تـَجـِفُّ يُـمـنـاهُ على سَـوطِـهْ
وبين أبي نواس ةبينها معارضات كثيرة فقد تعلق قلبه بها لما تمتلكه من شاعرية وذكاء وبديهة أدبية راقية إضافة إلى صوت جميل جعلها من أشهر مغنيات عصرها.
وحجت جنان فحج أبو نواس بهدف الرفقة لا التوبة والنسك. وتفاعل مع الحال التي يعيشها لرؤية الحجاج ونسكهم فصدرت عنه هذه الأبيات الجميلة في نظم تلبية الحج:

إلـَهَـنـَــا ، مـا أَعـــدلـَــكْ ... مَـليـكَ كـــلِّ مــن مَـلـَـكْ
لبـيـكَ ، قـــد لـبَّـيتُ لــك ... لــبـيـكَ ، إنَّ الحـمـدَ لـكْ
والمـلكَ ، لا شـريكَ لـك
ما خـــابَ عــبــدٌ أمَّـلـَكْ ... أَنــت لــهُ حــيـثُ سَــلكْ
لــولاكَ يـا ربُّ هَـــــلـك ... لـبــيـكَ ، إن الحـمــدَ لكْ
والمـلـكَ ، لا شـريكَ لكْ
كـــلُّ نبــــيٍّ . ومـــلـَـكْ ... وكــُــلُّ مَـــنْ أهَـــلَّ لـَكْ
وكــُـلُّ عـَبـــدٍ سَـــألـَــكْ ... ســَـبَّـحَ ، أو لـَـبَّى فـَـلـكْ
لبـيـكَ ، قـــد لـبَّـيتُ لــك ... لـَـبـَّيـكَ إنَّ الـْحَـمْـدَ لـَـكْ
والمُلـْـكَ، لا شـَريـكَ لـكْ
والـليــلُ لـَمّـــا أَن حَـلـَكْ ... والسَّــابحـاتُ في الـفـلـَكْ
على مجاري المُـنـْسَـلـَكْ ... لــبـيـكَ ، إنَّ الحـمـدَ لـكْ
والمـلكَ ، لا شـريكَ لـكْ
يـا خـاطِـئــًا مـا أغْـفـَلـكْ ... عَـجِّــلْ ، وَبـادِرْ أَجَـلـَـكْ
واخـْتـِمْ بـِخـَيْـر ٍعَـمَــلـَكْ ... لــبـيـكَ ، إنَّ الحـمـدَ لـكْ
والمـلكَ ، لا شـريكَ لـكْ

وبعد أن قرأنا الأبيات نقف قليلا مع شخصية أبي نواس، كيف بدأ ؟ والمتغيرات الفكرية التي مر بها عبر سيرته باختصار ، ثم النهاية التي انتهى إليها آخر العمر.
كان الشاعر أبو نواس فاسقا ماجنا هذا ما تعرضه علينا كتب الأدب ولكن لنتعمق قليلا في هذه الشخصية التي أصبحت نموذجا للثورة على الموروث وعلى القيم الدينية والأخلاقية والأدبية يحتج بها كل من أراد محاربة التراث بمجمله. وتاب وتراجع عن أفكاره وشذوذه ولم يتراجع الذين يحتجون به ويتخذون من مواقفه الأولى منهجا.
كان أبو نواس في أول أمره طالب علم ألحقته أمه بحلقات العلم في المسجد فدرس الفقه على مذهب أهل السنة والجماعة وتعلم الأدب وأتقن الشعر. وكان من سوء حظه أنه أصغى يوما لحديث واصل بن عطاء رأس المعتزلة وكان متكلما بارعا فأعجب بمنطقه واحتجاجه وأيقن بخطأ أساتذته وصحة منهج واصل فترك جماعته ولزم واصلا فترة من الزمن حتى تابعه سوء حظه فأصغى يوما لأحد خطباء الخوارج فدهش لمنطقه واحتجاجه كما حدث له مع واصل بن عطاء من قبل فأيقن أن لا أحد من هؤلاء على الحق إذ أنّ كلا منهم يحتج لمذهبه المناقض للآخرين بالقرآن الكريم مفسرا ما يقرأ على ضوء فهمه وبما يخدم مذهبه فاستمع لخطيب من خطباء الشيعة فوجده ينقض بالحجج مذاهب غيرهم فأهل السنة ينقضون مذهب الشيعة بالحجج والشيعة ينقضون مذهب الخوارج بالحجج والمعتزلة تناقض مذهب أهل السنة ويحتجون لذلك والخوارج يكفرون كل الفرق وكل الفرق تجمع على تكفيرهم. فاجتمعت لديه الحجج على نقض مذاهب أولئك كلهم من بعضهم البعض فتولدت لديه قناعة بأن الدين غير صحيح وإنما قامت الفرق واجتمع لها الأتباع بقوة الحجة لا بأنها على الحق.
فترك العلم والفقه وانصرف للهو وأكب على شرب الخمر. فبلغ ذلك واصل بن عطاء فأرسل إليه يعاتبه على انحرافه عن مذهبه وانصرافه عن جماعته ويذكره بقناعاته وما اتفق بينهما من توجه فكري. فرد عليه أبو نواس بقصيدته التي يقول في مطلعها:
دَعْ عَـنـْكَ لـَوْمي فـَإنَّ اللــّـومَ إغـْـراءُ ... وداونـي بالـَّتـي كـــانـتْ هِـيَ الــــدّاءُ
وفيها البيت الذي عنى به واصل بن عطاء وهو قولهُ:
فـَقـُلْ لِـمَـنْ يَـدَّعـي في العِـلم ِفـَلـْسَـفـَة ً... عَـرَفـْتَ شـَيْـئـًا وغابَـتْ عَـنـْكَ أشـياءُ
حيث أراد أن يقول لواصل ٍ أنت محجوب عن الحقيقة تعرف شيئا منها بما عندك من علم لكنك جهلت أشياء كثيرة لم تبلغها فلسفتك وعرفتها أنا من خلال استماعي لمن يخالفك في مذهبه وينقض أفكارك بحججه.
وهكذا أكب أبو نواس على الخمر غير مؤمن بدين ولا متبع لمنهج ، فاختلط بالزنادقة من أمثال حماد عجرد وغيره فاعتنق الزندقة وتعصب ضدّ العرب وأخلاقهم وعاداتهم ومفاخرهم. ومن ذلك قوله يعيب الوقوف على الأطلال في مطالع قصائد شعرائهم ويعرض بفخرهم بأنسابهم:
عـاجَ الشـَّــقِـيُّ عـلى رَسْــم ٍ يُـسـائِـلـُهُ ... وَعُـجْـتُ أسْـألُ عَـنْ خـَمّـارَةِ الـبَـلـَـدِ
يَـبْـكي على طـَلـَل ِالماضيـنَ منْ أسَــدٍ ... لا دَرَّ دَرٌّكَ قـُلْ لي مَـنْ بَـنـو أسَـــدِ؟
دَعْ ذا -عَـدِمْـتـُكَ- واشـْرَبْـها مُـعَـتـَّقـَة ً ... صَفراءَ تـَفْرُقُ بَيْنَ الرّوح ِ والجَسَـدِ
بل وبلغ به التهكم أن يقول:
قـُلْ لِـمَـنْ يَـبْـكي عـلى رَسْـم ٍ دَرَسْ ... واقِــفـًا ، ما ضَـرَّ لـَوْ كـانَ جَـلـَــسْ
اِتـْــرُكِ الـرَّبْـعَ وَسَــلمى جـانــبــــــًا ... وَاصْـطـَبـِحْ كـَرْخـِيـَّة ًمِـثـْلَ القـَبَـسْ
ومضى أبو نواس في غيه حتى اشتعل الخلاف بين الأمين والمأمون، فصار المأمون يشيع في الناس أن الأمين مكب على شرب الخمر واللهو بل وإنه قد اتخذ الشاعر الفاسق الماجن الزنديق أبا نواس نديما له. وما إلى ذلك من إشاعات هدفها فض الناس من حول الأمين وتبرير انقلاب المأمون عليه وانتزاع الخلافة منه بعد أن كان المأمون هو ولي عهده. ولم يكن أمام الأمين حلٌّ سوى أن يسجن أبا نواس ليقطع الألسنة ويبين للناس كذب أخيه عليه. فسجنه ظلما بدون ذنب ولا حتى محاكمة. فراح يستعطف الأمين بأشعار يرسلها إليه راجيا أن يفرج كربه لكنه لم يجد منه أدنى استجابة. فيئس من الأمين ولم يجد أملا بالخلاص إلا بواحد هو القادر على الأمين ! ومن غير الله يفرج الكروب ويرفع الظلم عن المظلومين. هكذا ضاقت الحلقات فكانت خلوة الشاعر في سجنه بعيدا عن الخمر وحاناتها ومجالسها وندمائها، بل وابتعادا عن الناس أجمعين فكانت فسحة لمراجعة الصفحات وإعادة الحسابات. فكانت جلسات أمام مرآة النفس وإعمال الفكر في ساعات الصحو بعيدا عن التمايش الفكري. هدوء ووحدة يتمكن الفكر فيهما من التركيز والمراجعة والمناقشة العقلية ضمن كل ما وقر في نفسه من أقوال أصحاب الحجج وأئمة المذاهب المتناقضة . وبالطبع في النهاية لا يصح إلا الصحيح ، فرفع رأسه إلى السماء معلنا إيمانه ومد كفيه بالسؤال مقرا بقدرة الله وقوته فوق عجز الإنسان وضعفه فقال:
يـا ربِّ إنَّ الـقـَـــوْمَ قــَـدْ ظـَـلـَمـوني ... وبـِلا اقـْـتِـرافِ مُـعَـطـِّلٍ حَـبَـســوني
أمـّـا الأميـنُ فـَلـَسـْــتُ أرجـو دَفـْـعَـهُ ... عَنـّي فـَمَـنْ لي اليـومَ بـِالـمَـأمــــون ِ
فقتل المأمون أخاه وآل الحكم إليه وخرج أبو نواس من السجن منهكا متعبا ضعيف القوى مختلف القناعات جديد الإيمان. فلزم توبته وأمضى ما بقي من عمره يستغفر لما مضى من ذنوبه ، حتى إنه كتب هذه الأبيات في رقعة وأوصى أن تدرج في أكفانه:
إلـَـهـِي لا تـُعـَـذبْـني فـَإنـي ... مُـقِــرٌّ بـِالـّذي قــَــدْ كــــــانَ مـنـّي
وما لي حيـلـة إلا رجـائي ... وعَـفـْوَكَ إنْ عَـفـَوْتَ وحُسْـنَ ظـني
ومرت الأيام ، ومات أبو نواس .. ومرت فترة فرآه أحد أصدقائه في المنام ، فقال له: ما فعل الله بك يا أبا نواس؟فقال أبو نواس: غـفـر لي ربي بأبيات قـُلـْتـُهـا في وصف النرجس . فقال له: وما هي؟ قال:
تـَأمَّـلْ فـي نـَبــاتِ الأرْض ِ وانـْظـرُ ... إلى آثـار مـا صَـنـَــعَ المَـلـيــكُ
عُـيـونٌ مِــنْ لـُجَــيْـن ٍ شــاخِـصـاتٌ ... بـِأحْـداق ٍهِـيَ الـذهَـبُ السَّـبـيـكُ
عـلى قـُضـُبِ الـزَّبَـرْجَـد شــاهِـداتٌ ... بـِأنَّ اللهَ لـــَيْـسَ لــَهُ شـَــــريــكَ
وكانت هذه الأبيات في وصف زهر النرجس حيث وقف الشاعر أمام الزهر وقفة متأملة فرأى فيه إعجازا يدل على قدرة الخالق ، بل وعلى وحدانيته من خلال تناغم الإبداع مما يدل على أن يدا واحدة هي التي أبدعتها ولم تتدخل في ذلك يد أخرى وإلا لانعدم التناسق والتناغم لأن الأذواق والقدرات تختلف ولو تدخلت بها أكثر من يد لبدا ذلك واضحا للذواقة فأبو نواس شاعر يسمع الأبيات فيعرف قائلها ، بل وينفي البيت من القصيدة التي تنسب لفلان ويقول هذا ليس من كلام فلان وما ذلك إلا عن معرفة وخبرة. وكثير من الشعراء لهم مثل هذه المواقف في تنخل وتصفية القصائد بل وتمييز البيت الدخيل على شعر الشاعر من القصيدة الحقيقية.
ذوق عال ٍ أنطق أبا نواس بهذه الأبيات لتكون له حجة عند الله نجا بها والله أعــــــــــلـم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.aklaam.net/forum/showthread.php?t=9663
 
أبو نواس الشاعر الذي نظم التلبية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الشاعر مصطفى الزايد :: ســـاحـة التـعـريـة :: شـخـصيات أمـام الـمـرآة-
انتقل الى: